ابن سبعين
156
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
الموجودات ، ثم في النظام القديم ، ثم في سر القدر ، ثم في الأمور العالية كان يغان على قلبه إذا ركب هذه المعلومات العزيزة . * قلت : قال الشيخ جعفر : ولهذا قال عليه السّلام : « ليغان على قلبي ، فأستغفر اللّه « 1 » » : أي لتتراكم الأنوار والمعارف على قلبي ، وتكثر التجليات الذاتية والصفاتية على باطني ولبي بسبب ترقي في المعارج العرفانية والكمال ، وارتقاء على ما هو أعلى وأوسع في الحال ، فأستغفر اللّه مما كنت فيه قبل ذلك ، وأتوب إليه مما أسلفته من التقصير هنالك . وقد نقل الشيخ زروق في بعض شروحه على الحكم العطائية أن أبا الحسن الشاذلي اجتمع بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : يا رسول اللّه إنك قلت : « إنه ليغان على قلبي ؟ » قال : نعم ، قال : ما هذا الغين ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « هو غين أنوار لا غين أغيار يا مبارك » فسمّاه مباركا وأجابه بهذا الجواب . وفي اللطائف للقاشاني في الكلام على الغيون بعد ما ذكر أنه يراد بها تجليات الذات الأقدس ما نصه : تكاد الذي يغطي قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم ويغسله إنما هو تجليات ذاتية متظاهرة فكان لقوة حقيقتها ، وغلبة أحديتها تمحو حطم بشريته ، وتمحو أثر خلقيته ، بحيث لا تبقي أثرا ولا رسما ، بل تذهب العين في العين بالكلية فلهذا يستغفر اللّه : أي يطلب الغفر والستر خوفا من غلبة أحكامها عليه ، وتظاهر آثارها ؛ لئلا يهمل حكم نبوته ، وكمال وسطيته ، ولئلا يظهر أثر ذلك للخلائق فيعبد ، أو يقال فيه كما يقال في عيسى وعزيز عليهما السلام انتهى . ومثله ذكره أيضا الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن سعيد بن أحمد بن محمد سعد الدين الفرغاني في شرحه لتائية ابن الفارض الكبرى ، وهو أول شارح لها ، ووفاته في حدود سنة سبعمائة ، وفي كلام غير واحد من الأكابر أن الترقّي المذكور له صلّى اللّه عليه وسلّم غير مقصور على حالة الحياة الدنيوية ، بل هو موجود في حياته البرزخية ، وفي الموقف ، وفي الجنة ، لا ينقطع ما دام ملك اللّه موجودا ، فخرج من هذا أن علمه صلّى اللّه عليه وسلّم ومقامه وكماله يقبل الزيادة دائما وأبدا ،
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2075 ) .